نشر فى: 25/12/2025 - المؤلف: سعدية مفرح

نادراً ما يحدُث أن تتقدّم اللغة خطوةً إلى الأمام دفعةً واحدة، وأن تستعيد قرونها المبعثرة في فعلٍ علميّ واحد؛ لكن ما جرى هنا أن العربية، للمرة الأولى، نظرت إلى تاريخها كاملاً من دون مرايا مكسورة... بهذه الدلالة العميقة، يمكن قراءة اكتمال معجم الدوحة التاريخي للغة العربية، لا بوصفه احتفالاً بكتاب أُنجز، ولا مناسبة بروتوكولية عابرة، بل باعتباره لحظة معرفية نادرة تستعيد فيها العربية ثقتها بنفسها، وتستردّ حقّها المؤجَّل في الزمن. فما يكتمل هنا ليس مجلداتٍ أُقفلت، بل مسارٌ لغويٌّ طويلٌ أُعيد تنظيمه، وعلاقةٌ بالكلمة أُعيدت صياغتها على أسس علمية رصينة؛ ترى في اللغة تاريخاً حيّاً لا مادّةً جامدةً، وفي المعجم أفقاً مفتوحاً لا خاتمة.
فالمعاجم الكبرى، في جوهرها، لا تُؤلَّف لتُغلَق، ولا تُنجَز لتُزيَّن بها الرفوف، بل لتفتح أبواب الفهم، وتعيد ترتيب وعينا بالكلمة وبالنصّ وبالذاكرة الثقافية التي حملتها الألفاظ عبر القرون. ومن هنا، لا ينصرف الاحتفاء باكتمال هذا المشروع إلى منجزٍ تقني أو موسوعي فحسب، بل إلى فعل حضاري التقى فيه الصبر العلمي الرؤيةَ، وتحوّل فيه العمل المعجمي من جهدٍ تراكمي بطيء إلى مشروع نهضوي هادئ، عميق الأثر، طويل النفس، بعيد عن الضجيج، قريب من المعنى.
إن اكتمال معجم الدوحة التاريخي لا يُقرأ بوصفه وفاءً إجرائياً بخطّة عمل، بل وفاءً أخلاقياً ومعرفياً بعهد طال انتظاره: أن تُنجز العربية ما يليق بتاريخها، لا ما تفرضه سهولة اللحظة. لقد جرى المضي في هذا الطريق الوعر بهدوء العلماء، لا باستعراض الادّعاء، وبإيمان عميق بأن العمل الحقيقي هو الذي يُنجز بصبر، ويُقدَّم بثقة، ويُترك ليؤثر في العمق لا في العناوين العاجلة.
وما تحقق هنا يتجاوز فكرة المعجم بوصفه كتاب تعريفات، ليؤسّس لوعي جديد بالعربية باعتبارها لغةً ذات تاريخ متحوّل، لا تُفهم ألفاظها خارج أعمارها، ولا تُقرأ نصوصها بمعزل عن سياقاتها. فإعادة الألفاظ إلى طبقاتها الزمنية، وتتبع تحوّلات دلالاتها، لا يخدم الباحث وحده، بل ينصف الكاتب، ويحرّر القارئ من إسقاطات الحاضر على الماضي، ومن تأويلات متعجلة أثقلت النصوص وأربكت فهمها قروناً طويلة. هنا يستعيد النصّ حقّه في زمنه، وتستعيد الكلمة معناها في سياقها، لا في تصوراتنا المعاصرة عنها.
ولعلّ القيمة الفارقة لهذا المشروع أنه منح العربية أداةً تاريخيةً دقيقةً طال غيابها، لتقف بها على قدم المساواة مع لغات العالم التي امتلكت معاجمها التاريخية منذ القرن التاسع عشر. وبهذا المعنى، لم يُخرج المعجم العربية من تراثها، بل أدخل تراثها في قلب البحث اللغوي الحديث، وفي صميم التحوّلات الرقمية وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، من دون أن تفقد لغتنا روحها أو تتنصّل من ذاكرتها. فالمدوّنة اللغوية الضخمة التي أُنجزت ضمن هذا المشروع تفتح آفاقاً غير مسبوقة للدراسات اللغوية، والتحليل النصّي، والبحث الثقافي، والتطبيقات الحاسوبية، وتعيد للعربية موقعها الطبيعي في خريطة المعرفة المعاصرة.
ويكتسب هذا الإنجاز بعداً أخلاقياً وجمالياً إضافياً حين نلتفت إلى طبيعته الجماعية العربية؛ إذ لم يُنجز في عزلة نخبوية مغلقة، بل في فضاء معرفي مفتوح شارك فيه مئات الباحثين من أكثر من خمس عشرة دولة عربية وغير عربية، تكاملت خبراتهم، وتقاطعت مساراتهم في مشروع تنويري واحد. وهو ما يثبت أن اللغة، حين تُؤخذ على محمل الجدّ، قادرة على أن تكون رابطة وعي ومخيال وتاريخ مشترك، تتجاوز الجغرافيا، وتعلو على الانقسامات، وتذكّر بأن ما يجمع العرب في عمقه الأصدق ليس الأيديولوجيا ولا الشعارات، بل هذا اللسان العربي المبين الساكن في الوجدان قبل أن يُدوَّن في المعاجم.
ولا يقلّ عن ذلك أهمية ما أُشير إليه في خطاب الدكتور عزمي بشارة في حفل إعلان اكتمال المعجم في الدوحة قبل أيام: من أن اكتمال التأليف لا يعني بلوغ الكمال، بل الدخول في زمن المسؤولية العلمية، مسؤولية الاستدامة، والتحديث، والتصويب، والتطوير المستمرّ. وهي مسؤولية لا ينهض بها إلا مشروع وُلد صحيحاً، في بيئة آمنة لحرية البحث والفكر، وبرعاية أدركت أن الثقافة ليست ترفاً ولا زينةً خطابيةً، بل أحد أعمدة الدولة، ومقياسٌ من مقاييس حضورها الحضاري وقدرتها على الاستثمار في المعرفة بوصفها قوة ناعمة عميقة الأثر.
هكذا، لا يمكن النظر إلى معجم الدوحة التاريخي للغة العربية بوصفه معجماً فقط، بل بوصفه فعلَ نهضةٍ هادئاً يعمل في العمق، بعيداً من الاستعراض، قريباً من المستقبل، ومكتوباً بروح علمية رصينة تشبه المشروع الذي أنجزه: شجاعة في الرؤية، دقيقة في المنهج، وصادقة مع المعرفة. إن ما أُنجز هنا يعيد للعربية بعض ما تستحقّه من إنصاف تاريخي، ويذكّرنا بأن الأمم تُقاس بقدرتها على صون لغتها، لا بوصفها أداة تواصل فحسب، بل بوصفها ذاكرة وهُويَّة وأفقاً مفتوحاً على الغد.
والشكر هنا لا يُقال بوصفه مجاملة، بل بوصفه اعترافاً مستحقّاً لكل من أسهم في هذا المعجم: لصاحب الفكرة الأولى التي آمنت بإمكان ما بدا مستحيلاً، وللدولة التي وفّرت الرعاية والبيئة، وللمركز العربي للابحاث ودراسة السياسات الذي حمل العبء العلمي بصبر ودقّة، وللباحثين والمحرّرين والمراجعين والتقنيين، ولكل يدٍ عملت بصمت؛ لأن ما أُنجز لم يكن جهد أفراد، بل هو فعل معرفة تشاركي أعاد للعربية بعض حقّها في التاريخ. نقلا عن موقع العربي الجديد​